الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

254

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تبعة افترائه على نفسه لا ينالهم منها شيء . وتقديم ( عليّ ) مؤذن بالقصر ، أي إجرامي عليّ لا عليكم فلما ذا تكثرون ادّعاء الافتراء كأنكم ستؤاخذون بتبعته . وهذا جار على طريقة الاستدراج لهم والكلام المنصف . ومعنى جعل الافتراء فعلا للشرط : أنه إن كان وقع الافتراء كقوله : إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [ المائدة : 116 ] . ولما كان الافتراء على اللّه إجراما عدل في الجواب عن التعبير بالافتراء مع أنه المدعى إلى التعبير بالإجرام فلا حاجة إلى تقدير : فعليّ إجرام افترائي . وذكر حرف ( على ) مع الإجرام مؤذن بأن الإجرام مؤاخذ به كما تقتضيه مادة الإجرام . والإجرام : اكتساب الجرم وهو الذنب ، فهو يقتضي المؤاخذة لا محالة . وجملة وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ معطوفة على جملة الشرط والجزاء ، فهي ابتدائية . وظاهرها أنها تذييل للكلام وتأييده بمقابله ، أي فإجرامي عليّ لا عليكم كما أن إجرامكم لا تنالني منه تبعة . ولا حاجة إلى تقدير المضاف في قوله : مِمَّا تُجْرِمُونَ أي تبعته وإنما هو تقدير معنى لا تقدير إعراب ، والشيء يؤكد بضدّه كقوله : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ [ الكافرون : 2 ، 3 ] . وفي هذه الجملة توجيه بديع وهو إفادة تبرئة نفسه من أن يفتري القرآن فإنّ افتراء القرآن دعوى باطلة ادعوها عليه فهي إجرام منهم عليه ، فيكون المعنى وأنا بريء من قولكم الذي تجرمونه عليّ باطلا . [ 36 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 36 ] وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) عطف على جملة قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا [ هود : 32 ] أي بعد ذلك أوحي إلى نوح - عليه السّلام - أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ . واسم ( أن ) ضمير الشأن دال على أن الجملة بعده أمرهم خطير لأنها تأييس له من إيمان بقية قومه كما دل حرف لَنْ المفيد تأبيد النفي في المستقبل ، وذلك شديد عليه